العيني
50
عمدة القاري
التفسير على حديث أبي داود المرفوع ، فلا يساعده ذلك ، لأن لفظ حديث أبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث فأشكل عليه ، فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) . فالحدث هنا خاص وهو : سماع الصوت أو وجدان الريح . وأثر أبي هريرة عام في سائر الأحداث ، لأن قوله : من حدث ، لفظ عام لا يختص بحدث دون حدث . ويُذْكَرُ عَنْ جابِرٍ أنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَرَكَعَ وسَجَدَ ومَضَى فِي صَلاَتِهِ الكلام فيه على أنواع . الأول : أن هذا الحديث وصله ابن إسحاق في المغازي ، قال : حدثني صدقة بن يسار عن عقيل ابن جابر عن أبيه قال : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . يعني في غزوة ذات الرقاع فأصاب رجلٌ امرأة رجلٍ من المشركين ، فحلف أن لا أنتهي حتى أهريق دماً في أصحاب محمد ، فخرج يتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلاً فقال : من رجل يكلؤنا ؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ، قال : كونا بفم الشعب . قال : فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري وقام الأنصاري يصلي ، وأتى الرجل ، فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم ، فرماه بسهم فوضعه فيه ، ونزعه حتى مضى ثلاثة أسهم ، ثم ركع وسجد ، ثم انتبه صاحبه ، فلما عرف أنه قد نذروا به هرب ، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال : سبحان الله ألا أنبهتني أول ما رمى ؟ قال : كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن اقطعها . الثاني : أن هذا الحديث صحيح . أخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم في ( مستدركه ) وصححه ابن خزيمة في ( صحيحه ) وأحمد في ( مسنده ) والدارقطني في ( سننه ) كلهم من طريق إسحاق . فإن قلت : إذا كان كذلك فَلِمَ لم يجزم به البخاري ؟ قلت : قال الكرماني : ذكره بصيغة التمريض لأنه غير مجزوم به ، بخلاف قوله : قال جابر في الحديث الذي مضى هنا ، لأن : قال ، ونحوه تعليق بصيغة التصحيح مجزوماً به . قلت : فيه نظر ، لأن الحديث الذي قال فيه : قال جابر ، لا يقاوم الحديث على ما وقفت عليه ، وكان على قوله ينبغي ان يكون الأمر بالعكس . وقال بعضهم : لم يجزم به لكونه مختصراً . قلت : هذا أبعد من تعليل الكرماني ، فإن كون الحديث مختصراً لا يستلزم أن يذكر بصيغة التمريض ، ، والصواب فيه أن يقال : لأجل الاختلاف في ابن إسحاق . الثالث في رجاله ، وهم : صدقة بن يسار الجزري ، سكن مكة ، قال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : صالح ، روى له مسلم والنسائي وابن ماجة أيضاً . وعقيل ، بفتح العين : ابن جابر الأنصاري الصحابي ، ولم يعرف له راوٍ غير صدقة وجابر بن عبد الله بن عمر والأنصاري . الرابع : في لغاته ومعناه قوله : ( في غزوة ذات الرقاع ) سميت باسم شجرة هناك ، وقيل : باسم جبل هناك فيه بياض وسواد وحمرة ، يقال له : الرقاع ، فسميت به . وقيل : سميت به لرقاع كانت في ألويتهم . وقيل : سميت بذلك لأن أقدامهم نقبت فلفوا عليها الخرق ، وهذا هو الصحيح ، لأن أبا موسى حاضر ذلك مشاهدة وقد أخبر به ، وكانت غزوة ذات الرقاع في سنة أربع من الهجرة . وذكر البخاري أنها كانت بعد خيبر ، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر . قوله : ( حتى أهريق ) أي : أريق ، والهاء فيه زائدة . قوله : ( أثر النبي ، عليه الصلاة والسلام ) ، بفتح الهمزة والثاء المثلثة ، ويجوز بكسرها وسكون الثاء . قوله : ( من رجل ) ، كلمة : من ، استفهامية أي : أي رجل يكلؤنا ؟ اي : يحرسنا ؟ من كلأ يكلأ كلاءة ، من باب : فتح يفتح . كلأته أكلؤه فأنا كالىء ، وهو مكلوء . وقد تخفف همزة الكلاءة وتقلب ياءً فيقال : كلاية . قوله : ( فانتدب ) ، يقال ندبه للأمر فانتدب له اي : دعا له فأجاب ، والرجلان هما : عمار بن ياسر وعباد بن بشر . ويقال الأنصاري ، وهو عمارة بن حزم ، والمشهور الأول . قوله : ( الشعب ) ، بكسر الشين : الطريق في الجبل ، وجمعه شعاب . قوله : ( وقام الأنصاري ) ، وهو عباد بن بشر . قوله : ( ربيئة ) ، بفتح الراء وكسر الباء الموحدة : هو العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو ، ولا يكون إلاَّ على جبل أو شرف ينظر منه ، من : ربأ يربأ من باب : فتح يفتح . قوله : ( فرماه ) ، الضمير المرفوع يرجع إلى المشرك ، والمنصوب إلى الأنصاري . قوله : ( حتى مضى ثلاثة أسهم ) اي : حتى كمل ثلاثة أسهم . قوله : ( قد نذروا به ) ، بفتح النون وكسر الذال المعجمة : أي علموا وأحسوا بمكانه . قوله : ( ألا انبهتني ) كلمة : ألاَّ ، بفتح الهمزة والتخفيف بمعنى الإنكار ، فكأنه أنكر عليه عدم إنباهه ، ويجوز بالفتح والتشديد ، ويكون بمعنى : هلا ، بمعنى اللوم والعتب على ترك الإنباه . قوله : ( كنت في سورة أقرؤها ) ، وكانت سورة الكهف ، حكاه البيهقي . قوله : ( فنزفه الدم ) ،